العودة للخلف

(الثالث) مِن أسرار شهر رمضان

تاريخ النشر: 19 / 02 / 2026
: 3

مِن أسرار شهر رمضان

الحمدُ لله رب العالمين، الرحمن الحيم، العزيز الحكيم، في أوامره وتشريعاته، وفي أفعاله ومخلوقاته. وصلى الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرًا.

أما بعد:

فقد كان فرضُ صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في شهر شعبان منها، وصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات([1]).

وصوم رمضان فرض بالنص والإجماع، وهو ركن من أركان الإسلام.

ولهذا التشريع الكريم أسرار عجيبة، وبركات كثيرة.

ومن ذلك: تعويد النفوس على ترك محبوباتها، والتخلِّي عن شهواتها.

قال ابنُ القيم رحمه الله: «ولما كان فطْم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخَّر فرضُه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لَمَّا توطَّنتْ النفوس على التوحيد والصلاة، وأَلِفَتْ أوامرَ القرآن، فنُقلت إليه بالتدريج»([2]).

ومن ذلك: أنْ يتذكّر المسلمُ حاجته إلى الله تعالى، وافتقاره إليه، ويتذكر عظيم نعمة الله عليه، وكبير فضله وجزيل عطائه له وقد أمرَ اللهُ بذلك في آياتٍ كثيرةٍ كقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

قال العلامة ابن باز رحمه الله: «ومما في الصّوم من المصالح العظيمة أن تَعرفَ ضعفَك وأنَّك ضعيف مسكين ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، وأن هذه القوة التي أعطاك الله إياها تنهار وتزول عند ذهاب الطعام والشراب، وعند تأخر ذلك، وطول الوقت تبقى ضعيفًا في غاية الحاجة إلى الشراب في غاية الحاجة إلى الطعام ولو طالت المدة لذهبتْ هذه النفس ولَخرجتْ الروح، وصرت إلى الموت، وأنت الرجل القوي الذي تأخذ وتعطي، وتأمر وتنهى، تَعرف نفسَك، تَعرف ضعفَك، تعرف أنك مسكين، وتعلم أنه بترك ذلك والحيلولة بينك وبين ذلك تنتهي وتزول، فتشكر اللهَ وتحمده سبحانه على ما أنعم وأحسن جل وعلا»([3]).

ومن ذلك: أنْ يتذكَّر أحوالَ الفقراء والمحاويج والمساكين ونحوهم ممَّن قد يظل جائعًا، وكذا حال المظلومين والمضطهدين من المؤمنين ممَّن يمسُّهم الجوع والعطش، وهو أمر يُورث التراحم والتعاطف، ويثير البذل والسخاء، والتعاضد والإخاء.

ومن ذلك: أنه يتعلّم الصائم الصبرَ بأنواعه الثلاثة. فشرعَ اللهُ الصومَ وشرع الاعتكاف وشرع القيام وغير ذلك من العبادات في شهر رمضان ليعتاد المسلم على الصبر على المشاق ومجاهدة النفس وترويضها على طاعة الله، والصبر على أقدار الله، والصبر عن المحرَّمات وسائر المنهيات، والمفطرات.

ومن ذلك: أنه يرفع العبد إلى درجة المُخلصين المُحسنين الذين يعبدون الله بناء على أنه يرى ويسمع النجوى ويعلم السرَّ وأخفى، قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} وقال سبحانه: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}. وقد قال النبي عن مرتبة الإحسان: «أن تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ فإنْ لم تكُن تراه فإنَّه يرَاك» متفق عليه.

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «الله -جل وعلا- اختصَّ لنفسه الصوم من بين سائرِ الأعمال، وذلك لِشرفِهِ عنده، ومحبَّتهِ له، وظهور الإِخلاصِ له سبحانه فيه، لأنه سِرٌّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلا الله. فإِنَّ الصائمَ يكون في الموضِعِ الخالي من الناس مُتمكِّنا منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناولُهُ؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يطَّلع عليه في خَلْوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفًا من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمِن أجْل ذلك شكرَ اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واختصَّ صيامَه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ ولهذا قال: «يَدعُ شهوتَه وطعامَه من أجْلي». وتظهرُ فائدةُ هذا الاختصاص يوم القيامَةِ كما قال سَفيانُ بنُ عُييَنة رحمه الله: إِذَا كانَ يومُ القِيَامَةِ يُحاسِبُ الله عبدَهُ ويؤدي ما عَلَيْه مِن المظالمِ مِن سائِر عمله حَتَّى إِذَا لم يبقَ إلَاّ الصومُ يتحملُ اللهُ عنه ما بقي من المظالِم ويُدخله الجنَّةَ بالصوم»([4]).

ومن ذلك: أنه يسمو بالمسلم إلى درجة المتقين، وقد بين الله تعالى الغاية من فرض صوم شهر رمضان بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، فبينت هذه الآية أنَّ الصيام من أعظم أسباب تحصيل التقوى لله تعالى، لما فيه من امتثال أوامر الله، واجتناب مناهيه، ولما فيه من الإخلاص والمراقبة، وما فيه مِن كَبح النفس عن الأخلاق الرذيلة ومجازاة السيئة بمثلها، ولما فيه من الصبر بدرجاته، ولما فيه من تضييق لمجاري الشيطان، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة لتحصيل التقوى.

ومن ذلك: أنه يُورث الخشيةَ والمراقبة، وتمام الامتثال والانقياد، والخضوع والخشوع، وإلْفَ العَمل الصالح ومحبته والتعوّد عليه، ويرقق القلب، ويعلق القلب بالمساجد، ومحبة ما يحبه الله تعالى، ويعوِّد العبد على السعي في ما يرضي الله تعالى.

ومن ذلك: أنه يهذب الأخلاق ويغرس في الصائم التنزّه عن الرذائل، ويعلمه حبس النفس عن القبائح، ولهذا قال النبي «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»([5]).

وفي لفظ في الصحيحين أن النبي قال: « الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»([6]).

وقال : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»([7]).

قال العلامة العثيمين: «وبهذا -أي الحديث- نعرف الحكمة البالغة من مشروعية الصوم، فلو أننا تربينا بهذه التربية العظيمة لخرج رمضان، والإنسان على خلق كريم من الالتزام، والأخلاق، والآداب، لأنه تربية في الواقع»([8]).

قال سماحةُ الشيخ ابن باز: «والصيام في الحقيقة نعمة من نعم الله وفضل من فضل الله على الصائم، يتحرَّى فيه الخير، يتحرى فيه الأعمال الصالحة، يصون جوارحه عمَّا حرَّم الله عليه، يُعينه الله بهذا الصوم على كل خير، فليستعن بصومه على طاعة الله ورسوله، وليحْذر أنْ يجرحَ صومه بما يُغضب الله عليه»([9]).

ومن ذلك: ما فيه من التعوّد على المنافسة في الخيرات، والمسارعة في الصالحات.

قال سماحة الشيخ ابن باز: «شهر رمضان هو سيد الشهور وأفضل الشهور، قال الله فيه جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185] شهر تفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتصفد فيه الشياطين، وينادي فيه منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة.

كان النبي ﷺ يبين لأصحابه فضلَه ليجتهدوا فيه بالأعمال الصالحات ليسابقوا فيه إلى الطاعات. فينبغي لأهل الإيمان المنافسة في هذا الشهر الكريم بأنواع الطاعات، وأنواع الخير من العناية بالصيام وحفظه، والعناية بقيام رمضان والاجتهاد في أنواع الطاعات مِن ذكر وقراءةِ القرآن والصدقات، وعيادة المريض واتباع الجنائز، وغير هذا من وجوه الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمؤمنون يتنافسون، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26]، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: 21].

فالمؤمن يشرع له المسابقة بأنواع الخير في كل وقت، ولكن في زمن رمضان، في أيام الحج، في أوقات الفضائل ينبغي أن تكون مسابقته أكثر وأعظم، استدراكًا للزمن وحِرصًا على حفظ الوقت، والحصول على أنواع الخير في أوقات الفضائل، وهذا هو معنى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، ﴿سَابِقُوا ﴿وَسَارِعُوا ، المؤمن يسارع إلى الخيرات ويسابق في رمضان، وفي شهر الله المحرم، وفي ذي الحجة، في أيام الفضائل كلما جاء وقت فيه فضل؛ سَابقَ في الخيرات، أو مكانٍ حصل فيه منافسة في الخيرات يسارع فيها أيضًا، ويستغلُّ الأوقات والأماكن في وجوه الخير حسب طاقته، يرجو ما عند الله من المثوبة، ويخشى ما عند الله من العقوبة»([10]).

 


([1]) انظر : المجموع للنووي 6/163.

([2]) زاد المعاد  2/30 .

([3]) من محاضرة للشيخ بعنوان: «الصوم وارتباطه بالصبر» منشورة على موقعه.

([4]) مجالس رمضان 15.

([5]) مسلم 1151 عن أبي هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ.

([6]) البخاري1904، ومسلم 1151.

([7]) البخاري 1903 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([8]) الشرح الممتع 6/ 431 .

([9]) من محاضرة بعنوان «الصوم جنة» منشورة على موقع الشيخ.

([10]) محاضرة بعنوان «الصوم جُنّة» منشورة في موقع الشيخ.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح